|
المنتدى العام يهتم هذا القسم بالأخبار العامه |
![]() |
|
خيارات الموضوع | طريقة العرض |
|
#1
|
|||
|
|||
قال: نعم.
قلت: كيف تفسر أنه لم يصب؟ قال: إرادة الله. قلت: هل تري فيها دلالة؟ قال: معناها أن الله يحبه. قلت: هل تعتقد أن الله يحب رجلاً سلم بلاده للإنجليز؟ قال: لا. قلت: إذن ماذا؟ قال: لا أعرف.. وسكت قليلاً ثم استطرد.. إن الإنسان حينما يفكر في مثل الذي فكرت فيه لا يحس بما يفعل إلا بعد أن ينتهي من كل شيء. قلت: هل تحس الآن؟ قال: نعم أحس. قلت: هل عرفت كيف استقبل الشعب جمال عبدالناصر؟ قال: سمعت. قلت: ما رأيك؟ قال: يظهر أني نفعته ثم استطرد بنفس الصوت الذي يمزقه الضجيج.. رب ضارة نافعة. قلت: هل سمعت الذي كان يقوله في الدقائق القليلة التي سبقت إطلاق الرصاص! قال: لا. قلت: كان يتكلم من الحرية والعزة والكرامة. قال: لم أسمع أي شيء. قلت: فيما تفكر! قال: في الذي كلفت أن أفعله. قلت: والذي كلفك نفسه لماذا لم يجئ معك! قال: لا أعرف.. وبدأ يلتقط أنفاسه بصوت مسموع.. مبحوح وحتي في نهاية هذا أيضاً بدأ صوته كأسطوانة قديمة مجروحة تخرج منها أصوات متحشرجة. < < الحوار الثاني نشرته «أخبار اليوم» في 6 نوفمبر 1954 يقول فيه هيكل: عندما قابلت حسن الهضيبي في السجن الحربي بثكنات العباسية كان يعيش تحت تأثير تجربة من نوع جديد، كانت الساعة الواحدة ظهراً وهي الساعة التي يخرج فيها للنزهة والسير في فناء السجن الحربي مع غيره من أعضاء جماعة الإخوان المعتقلين، وفي كل يوم في هذه الساعة يسمع حسن الهضيبي والذي معه تسجيلين تخرج أصواتهما مجلجلة من ميكروفون ينقل ما فيهما بأعلي صوته ويدفعه إلي فناء السجن الحربي، أولهما تسجيل للخطبة التي ألقاها السيد الرئيس ووجهت إليه الرصاصات الثماني أثناء إلقائها والثاني تسجيل لأغنية أم كلثوم التي تهنئ فيها الرئيس والتي مطلعها «يا جمال يا مثال الوطنية». |
#2
|
|||
|
|||
راقبت الهضيبي وهو يسمع الهضيبي وهو يسمع التسجيل الأول، خطبة جمال عبدالناصر، ثم فجأه الرصاصات الثماني التي دوت واحدة بعد واحدة، ثم فترة الصمت الرهيب التي قطعها علي الفور صوت جمال عبدالناصر ينادي الرجال الأحرار، وكان وجه حسن الهضيبي صامتاً مغلقاً لا تعبر قسماته، وراقبته وهو يسمع التسجيل الذي التقط من إذاعة حفلة نادي ضباط الجيش، وعندما وصلت أم كلثوم إلي المقطع الذي تطلب فيه من الحاضرين أن يغنوا معها والذي تقول فيه يا جمال يا مثال الوطنية أجمل أعيادنا الوطنية بنجاتك يوم المنشية.. ردوا عليها.. تأملت الهضيبي ولم أكن أتوقع بالطبع أنه سيرد عليها ولكن هذا ما فعله علي أي حال.
وجلست بعدها أمام حسن الهضيبي في مكتب قائد السجن الحربي ومرت لحظات صمت.. كنت خلالها أتأمل وجهه وأدقق النظر فيه ويبدو أنه أحس بالذي أفعله فأطرق برأسه إلي الأرض ثم رفعه وحاول أن يبتسم ولكن أعصابه خذلته فلم تكمل الابتسامة علي شفتيه وإنما مر عليها شبح باهت شاحب لمحاولة ابتسامة، وكان الصمت ثقيلاً علي أعصابي. قلت له: هل يبيح القرآن القتل والإرهاب؟ قال: لا. قلت: وهذه الرصاصات الثماني.. هذه التي سمعتها بأذنيك الآن في الميكروفون. وقال الهضيبي: يسأل عنها الذي أطلقها. قلت: هل أطلقها من نفسه هكذا بدون تحريض؟ قال: ومن أين لي أن أعلم أن هناك من حرض؟ قلت: ألم يكن النظام السري تابعاً لك مباشرة؟ قال: أنا كنت مرشداً عاماً أبحث رءوس المسائل وأقررها ولا أدخل في التفصيلات وعلي سبيل المثال أنا أقول مثلاً إن من أهدافنا أن ننشر الدعوة وهذا رأس مسألة أتركها لمعاوني يبحثون التفاصيل ويشرفون علي التنفيذ ولا أذهب أنا مثلاً لكي أنشر الدعوة بنفسي وأحض ملايين الناس علي الفضيلة شأن هذا شأن النظام السري، كنت أعلم أنه موجود لكنه بالنسبة لي كان رأس مسألة أما التفاصيل فقد كان يشرف عليها اثنان هما خميس وفرغلي. قلت: إذن أحدد سؤالي.. هل تري أن الإسلام يبيح إنشاء أنظمة سرية مسلحة للإرهاب وهل السياسة في هذا البلد والحريات التي تتطلع إليها يمكن أن تسمح بقيام منظمات سرية مسلحة؟ وسكت الهضيبي فترة أطرق فيها برأسه إلي الأرض ثم قال: من قال هذا؟ قلت: أنت قلت الآن.. لقد قلت لي إنك تعرف أن هناك نظاماً سرياً ولكن الذي نفتيه أنك أنت الذي كنت تصدر إليه الأوامر، ولقد قلت لي: إنك كنت تعرفه كرأس مسألة ولكنك لم تكن تعرف الظروف التي يعمل فيها، ألم يكن محققاً أن أفهم من كلامك هذا الذي فهمته؟ وقال الهضيبي: ولكن لست أنا الذي أنشأ هذا النظام السري، هذا النظام أنشأه حسن البنا سنة 1946 وكان الغرض الأول منه محاربة أعداء الإسلام، وقاطعت الهضيبي متسائلاً: أين؟ قال: أليس للإسلام أعداء.. أليست بلاد المسلمين كلها محتلة، أليس هناك إنجليز في الأردن وفي العراق وأليس هناك غير الإنجليز أيضاً، قلت: وماذا فعل النظام السري لأعداء الإسلام هؤلاء؟ |
#3
|
|||
|
|||
قال: الذي حدث بعدها أن هذا النظام السري انحرف عن هدفه الأصيل واتجاه إلي أعمال العنف والاغتيال، فلما جئت أنا من ثلاث سنوات وتوليت منصب المرشد العام، كان أول ما فعلته أن قلت إني لا أريد أنظمة أسرية وأخرجت من الجماعة فعلاً أولئك الذين عرفت أنهم كانوا يتزعمون الإرهاب المسلح، وأقمت مكان النظام القديم نظاماً جديداً حددت له أهدافه وهي أن يقوم أفراده بنشاط رياضي وكشفي. قلت: هل التدريب علي السلاح والمفرقعات يدخل ضمن الأعمال الكشفية والرياضية؟ قال: لقد أعدت النظام الخاص إلي أصل دعوته أعدته لكي يحارب أعداء الإسلام وحاولت أن أبعده عن الإرهاب، فقلت له: هذا سيقودنا إلي الرصاصات الثماني، فقال: مالها، قلت: الذي أطلقها أحد أفراد النظام الخاص المسلح، فقال الهضيبي والمحاولة التي كان يبذلها ليتمسك بالثبات تتخلي عنه كما تخلت الابتسامة: إذن يكون النظام الخاص قد انحرف مرة أخري، ولكن ذلك بغير علمي، ومرت فترة صمت أطرق فيها برأسه مرة أخري. قلت له: لماذا اختلفت مع الثورة ولماذا خرجت تحاربها؟ قال: هل أنا حاربتها؟ قلت: إذا تركت جانباً الرصاصات الثماني ومخازن السلاح التي ليست لها عدد لبقي شيء آخر، قال: وما هو؟ قلت: المنشورات السرية التي وزعتها؟ قال: أنا.. هل أنا وزعت منشورات سرية، ما ذنبي إذا كان الشيوعيون والوفديون لا يملكون الشجاعة لكي يوقعوا بأسمائهم الصريحة علي المنشورات التي يوزعونها فينتحلوا لها اسمي، أنا لم اكتب أي منشورات، ولكن الوفديين والشيوعيين طبعوا منشورات ووضعوا اسمي في ذيلها وأنا لا أعلم عن أمرها شيئاً. ومرت فترة صمت وكنت أفكر في السؤال التالي الذي أوجهه للهضيبي ولكنه رفع رأسه وقال: هل أوجه أنا إليك سؤالاً، قلت: تفضل، قال: لماذا قتلوا أولادي جميعاً! قلت: أولادك، قال في إصرار: نعم قتلوهم كلهم أبادهم الجيش، قلت، غير معقول، قال: أقسم بالله العظيم أن هذا حدث.. لقد بلغني بطريقة لا أشك في صحة روايتها أبداً، قلت: لا أستطيع أن أصدق، قال في إصرار عنيف: يا رجل لقد أقسمت لك بالله العظيم قتلوهم جميعاً وأنت لا تعرف ولكنهم قتلوهم ولست أريد منهم إلا أن يقتلوني أنا أيضاً. وتدخل في المناقشة البكباشي أحمد أنور مدير البوليس الحربي وقال في دهشة: نحن قتلنا أولادك؟ قال الهضيبي: نعم أظنك تريد أن تنكر لا يهمك أن تراني ثابتاً متجلداً رغم أن أولادي كلهم قتلوا وقتلت زوجتي أيضاً ولكن هكذا الصابرون المجاهدون، وقال أحمد أنور: ولكن الذي تقوله غير صحيح، ووقف الهضيبي وتشنجت ملامحه وقال: والله العظيم والله العظيم والله العظيم أن الذي قلته صحيح صحيح صحيح وأن أولادي كلهم وأزواجهم وزوجاتهم قد قتلوا وزوجتي أيضاً قتلت. قال أحمد أنور علي الفور، كيف تطلق يميناً مقدسة بهذه الطريقة؟ وقال الهضيبي: أنا واثق وأنا أكرر قسمي بالله العظيم، فقال أحمد أنور: ما هو رقم تليفون بيتك؟ قال الهضيبي 279241، وبدأ أحمد أنور يدير قرص التليفون والهضيبي مازال حيث كان واقفاً متشنجاً ينظر إليه نظرة غريبة وساد الغرفة صمت مفاجئ حتي سمعنا صوت جرس التليفون يدق في الناحية الأخري، وقال أحمد أنور: منزل الأستاذ الهضيبي.. هل أستطيع أن أتكلم مع السيدة زوجته، ويبدو أن الذي رد سأله عن شخصية المتكلم؟ وقال أحمد أنور: قل لها صديق للهضيبي يحمل رسالة منه. مرت فترة صمت وأنظارنا معلقة بالتليفون وآذاننا مسلطة عليه ثم تسرب صوت نسائي، وبدأ أحمد أنور يتحدث إلي زوجة الهضيبي، هل أنت بخير واقتربنا جميعاً برءوسنا من الجهاز نقرب آذاننا منه بقدر ما نستطيع وتسرب منه صوت السيدة تقول إنها بخير، وقال أحمد أنور: وأولادك كلهم بخير؟ نظر الهضيبي إلي أحمد أنور نظرة الذي يري شيئاً لا يستطيع أن يصدقه وقال أحمد أنور وهو يناوله السماعة: خذ وتحدث إليها أنت وتأكد أنها زوجتك، وأمسك الهضيبي بسماعة التليفون بحذر واسترابة تماماً كرجل أسلموه في يده لغماً يمكن أن ينفجر وقال: أنا حسن الهضيبي واستطرد: اسمعي كيف حال الأولاد؟ وهز رأسه في ذهول وعاد يقول في التليفون: لم يقتلوهم.. غريبة، وبدأ يهرش رأسه بيده، ومد أحمد أنور يده يأخذ سماعة التليفون ويقول لزوجة الهضيبي كلمة ينهي بها المحادثة ثم يضع السماعة مكانها ويسأل الهضيبي، هل قتلناهم، وقال الهضيبي وهو يهز رأسه ويحك شعره: يظهر أنهم لم يقتلوا. وساد الغرفة صمت وقلت أنا للهضيبي: لقد طلبت أن توجه لي سؤالاً فهل أستطيع أن أوجه إليك سؤالاً أخيراً، قال: أجيبك عليه، قلت: ما رأيك في الإيمان التي أقسمتها بالله العظيم ثلاثة مؤكداً أن أولادك قتلوا؟ قال: كنت أظن، قلت: هل تقسم بالله العظيم ثلاثاً علي الظن؟ قال وهو يضحك: بسيطة.. يمين باطلة اكفر عنها قلت: هكذا ببساطة ما أسهل اليمين إذن؟ وقال هو: الدين يسر. نهضت واقفاً فقد كان الوقت انتهي والتفت هو إلي أحمد أنور وقال: لقد ضاعت علي ساعة الفسحة امضيت معظمها هنا، فقال أحمد أنور: لا تحمل هما سوف أعطيك ساعة أخري، والتفت أحمد نور إلي أحد الضباط: لابد أن يتسلي ساعة الفسحة أسمعوه أغنية أم كلثوم مرة أخري، ومرقت بسيارتي من باب السجن الحربي وصوت أم كلثوم يلعلع في قصائد تغني لجمال وتقول: ردوا علي.. وكان في خيالي وأنا أندفع بالسيارة خارج السجن.. منظره.. منظر حسن الهضيبي في فناء السجن يسمع أم كلثوم ولا يرد عليها بالطبع. < < لا تحتاج هذه الحوارات إلي تعليق.. فإذا أردت أن تعرف كيف يفكر الإخوان وكيف يكذبون وماذا يريدون.. وكيف يعتقدون أنهم يمكن أن يصلوا إليه.. وكيف أنهم لم يتغيروا فلهم نفس الوجوه ونفس المنطق.. ربما تتغير الأسماء.. لكن الفكرة واحدة.. ولا يمكن لهم أن يتغيروا أو يتبدلوا..!! إذا أردت أن تعرف كل ذلك.. فليس عليك إلا أن تقرأ هذه الحوارات من جديد. نقلا عن جريده االفجر آخر تعديل بواسطة honeyweill ، 12-01-2007 الساعة 07:48 AM |
![]() |
عدد الأعضاء الذي يتصفحون هذا الموضوع : 2 (0 عضو و 2 ضيف) | |
خيارات الموضوع | |
طريقة العرض | |
|
|